محمد المقداد الورتتاني

291

البرنس في باريس

من تأديبه حتى ينقاد كرها ، ثم لا يلبث أن ينقلب طائعا ثم يصير طالبا ويحمد عند ذلك عاقبة أمره وينظر إلى أعطافه فيجد نفسه ارتقى إلى ما هو أحسن ، وينفر من سابق معيشته وتصغر في عينه منزلة النفوس الباقية على غباوتها حتى من ذوي قرابته ، وربما ساق تيار التمدن بعض الناس إلى العقوق والمروق . والعاقل يكرر شكر المعلم الذي ساق بنفسه إلى منجاتها وألبسها حلل كمالاتها . ويحمد الله الذي هداه ، ويعذر بالجهل من سواه ، وما التوفيق إلّا من عند الله . ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . وأخيرا ألقى البربر بأيديهم إلى الغلب والانصياع ، وقلدوا العرب وامتزجوا بهم حتى عرفوا منهم قيمة الاجتماع . وذاقوا لذة الآداب من اللغة العربية ونالوا بواسطتها العلوم وساسوا بها دولهم ودونوا فيها كتبهم ، فامتازوا عن السائمة من ذلك العهد . مثلما أن السمعة في الأمم قبل الإسلام لليونان والهند وكل ذلك لا ينفي عن البربر الشهامة الفطرية والنجدة الموروثة والشجاعة الدائمة ، فكم قاوموا من أمم وكم نجبت فيهم من قواد ، وكم برعت فيهم من علماء ، فهم جيل قديم ثابت الفخر في سائر أدوار الأمم وتقلبات الدهر ، أشبه العجم بالعرب لقاء ونجدة وصبرا وفروسية . غير أنهم أغدر الناس لا وفاء بهم ولا عهد ، كما حدث عنهم موسى بن نصير في بعض مجالسه مع سليمان بن عبد الملك بن مروان . ولأروبا الفخر بزيادة الاعتناء ومداومة العمل والمحافظة على ما اقتبسته وترقية ما استفادته والزيادة على ما تعلمته . قال السيد البشير صفر في جغرافيته : إن الرومان صاروا إسوة لممالك أروبا في أعمالها السياسية ، كما أن اليونان والعرب من بعدهم كانوا أساتذة أروبا في العلوم الرياضية والفلسفية . والآن اضمحل الرومان وانحط العرب واليونان وأصبحت أروبا أستاذ الجميع . قلت فقد أحيت علوما لولاها لكانت في خبر كان ، بل لأغفلت وتنوسيت ولم تذكر على لسان . وأوجدت فنونا واخترعت صنوفا لولاها ما كانت تخطر بالبال أو ينتفع بها الإنسان . نعم إن العمل نتيجته السعادة ، والرقي ثمرته السيادة . مثلما ذكروا بأن العدل إن ساد عمّر ، والظلم إن دام دمّر . فأروبا من بين القارات القديمة هي الوحيدة القائمة دعائمها على أساس ، وتلك الأيام نداولها بين الناس .